نصر حامد أبو زيد

127

الاتجاه العقلي في التفسير

والصفة مختلفة » 111 . فاللقب المحض على ذلك لا يحمل أي معنى ، بعكس الصفة التي تدل على معنى ، وهذا المعنى الذي تدل عليه الصفة لا بدّ أن يكون ثابتا - أولا - بالدليل العقلي ، ثم تأتي العبارة أو الصفة للدلالة عليه « إن اثبات المعاني بالأقوال والأسماء لا يصح ، لأن الواجب اثباتها بالطريق الذي تثبت منه ، ثم يعبر عنها » 112 ولذلك يمنع المعتزلة خصومهم في مواضع كثيرة من الاستدلال بوجود العبارات على وجود المعاني 113 على أساس أن العبارات يجب أن تدل على معان سبقت معرفتها بالأدلة العقلية ، أمّا العبارات التي لا تدل على معان فتعدّ من قبيل الخطأ اللغوي . ويتبدّى حرص المعتزلة على وضوح الدلالة اللغوية في هذه المسألة في تأكيدهم على ضرورة أن تستعمل أسماء الصفات في معانيها ، وإلّا تحول الكلام من أن يكون صدقا إلى أن يكون كذبا « اعلم أن كل اسم يفيد ولم يكن لقبا محضا لا يحسن أن يستعمل إلّا فيما علم فيه ما يفيده . وغلبة الظن في ذلك لا يقوم مقام العلم في الاخبار لما فيه من تجويز كونه كذبا . فأمّا في ابتداء الوضع فإنه يقوم مقامه . . . ولا يحسن استعمال العبارة المفيدة إلّا على الوجه الذي وضعت له في سائر ما تنقسم إليه من الكلام ، وإلّا كان المتكلم بها عابثا أو في حكم العابث . ولذلك لا يحسن اتباع أهل اللغة في مواضعاتهم إلّا بعد العلم بمقاصدهم فيما وضعوه من اللغة . فثبت بذلك أن اجراءهم الاسم المفيد لا يحسن إلّا بعد العلم بفائدته كما أن ما علم فيه فائدة الاسم يحسن اجراء الاسم عليه » 114 . وهذا الحرص على استعمال أسماء الصفات في معانيها المعقولة أولا ، حتى أنه لا يجب اتباع أهل اللغة في أسمائهم إلّا بعد العلم بمقاصدهم ، هذا الحرص لا يمنع من اجراء هذه الأسماء على ما علم فيه فائدة الاسم . بمعنى أننا يجب أن نعقل معنى « الطول » أولا ، ثم نجري عليه الاسم الدال عليه ، ثم لا مانع بعد ذلك من أن نطلق هذا الاسم على كل ما علمنا فيه فائدة « الطول » وليست هذه محاولة منا لاستنتاج أن أسماء الصفات هي التي يجوز فيها الاستعارة والمجاز دون الألقاب المحضة التي تنبئ ولا تعني فيما يقول ستيوارت مل » 115 ، فالقاضي نفسه - تمشيا مع مبدأ المعتزلة الأثير ( قياس الغائب على الشاهد ) لا يمنع من اطلاق الأسماء - وهي أسماء المعاني كما سنرى بعد ذلك - على الغائب إذا ثبتت صحتها في الشاهد وذلك على أساس أن المواضعة إنما تتم على الشاهد المحسوس المدرك ، ثم يمكن للمتكلم أن ينتقل بعد ذلك في اطلاق هذه الأسماء على ما غاب عنه ، إذا أفادت مثل هذه المعاني المعقولة في الشاهد « اعلم أن المواضعة إنما تقع على المشاهدات وما جرى مجراها ، لأن الأصل فيها الإشارة ، على ما بيناه . فإذا ثبت ذلك ، فيجب ، متى أردنا التكلم بلغة مخصوصة ، أن نعقل معاني